الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
434
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وإنما أقسم بالعصر لأهميته ، إذ هو في وقت من النهار يحدث فيه تغيير في نظام المعيشة وحياة البشر ، الأعمال اليومية تنتهي ، والطيور تعود إلى أوكارها ، وقرص الشمس يميل إلى الغروب ، ويتجه الجو إلى أن يكون مظلما بالتدريج . هذا التغيير يلفت نظر الإنسان إلى قدرة الله المطلقة في نظام الكون ، وهو في الواقع أحد علامات التوحيد ، وأية من آيات الله تستحق أن يقسم بها . 2 - قيل : إنه كل الزمان وتاريخ البشرية المملوء بدروس العبرة ، والأحداث الجسيمة . وهو لذلك عظيم يستحق القسم الإلهي . 3 - بعضهم قال : إنه مقطع خاص من الزمان مثل عصر البعثة النبوية المباركة ، أو عصر قيام المهدي المنتظر ( عليه السلام ) ، وهي مقاطع زمنية ذات خصائص متميزة وعظمة فائقة في تاريخ البشر . والقسم في الآية إنما هو بتلك الأزمنة الخاصة ( 1 ) . 4 - بعضهم عاد إلى الأصل اللغوي للكلمة ، وقال إن القسم في الآية بأنواع الضغوط والمشاكل التي تواجه الإنسان في حياته ، وتبعث فيه الصحوة وتوقظه من رقاده ، وتذكره بالله سبحانه ، وتربي فيه روح الاستقامة . 5 - قيل : إنها إشارة إلى " الإنسان الكامل " الذي هو في الواقع عصارة عالم الوجود والخليقة . 6 - وأخيرا قيل إن الكلمة يراد بها صلاة العصر ، لأهميتها الخاصة بين بقية الصلوات ، لأنها ( الصلاة الوسطى ) التي أمر الله أن يحافظ عليها خاصة . مع أن التفاسير أعلاه غير متضادة ، ويمكن أن تجتمع كلها في معنى الآية ، ويكون القسم بكل هذه الأمور الهامة ، ولكن الأنسب فيها هو القسم بالزمان وتاريخ البشرية . لأن القسم القرآني - كما ذكرنا مرارا - يتناسب مع الموضوع الذي أقسم الله من أجله ومن المؤكد أن خسران الإنسان في الحياة ناتج عن
--> 1 - عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) قال في تفسير آية : والعصر إن الإنسان لفي خسر : العصر عصر خروج القائم ( أي خروج الإمام المهدي المنتظر سلام الله عليه ) . نور الثقلين ، ج 5 ، ص 666 ، الحديث 5 .